تخيل أنك تلعب مباراة شطرنج مع خصم لا يمكنك التنبؤ بخطوته القادمة ؛
كلما حاصرته في زاوية، فتح جبهة جديدة أشد شراسة. هذا بالضبط ما يعيشه الاتحاد الأوروبي اليوم في مواجهة تسونامي صناعة السيارات الصينية.
بدأت القصة عندما قررت بروكسل فرض رسوم جمركية مشددة على السيارات الكهربائية بالكامل (BEV - Battery Electric Vehicles) القادمة من الصين،
ظناً منها أنها وضعت جداراً حديدياً يحمي مصانع القارة العجوز وشركاتها التاريخية مثل فولكس فاجن ورينو وستيلانتس. لكن الاستراتيجية الصينية لم تكن تنتظر في وضع الدفاع؛ فبينما كانت أوروبا تركز كل نيرانها ومدافعها الجمركية على السيارات الكهربائية الخالصة، قامت الشركات الصينية بمناورة التفافية كلاسيكية: تحويل دفة الصادرات وثقل التوزيع بسرعة البرق نحو السيارات الهجينة القابلة للشحن الخارجي (PHEV - Plug-in Hybrid Electric Vehicles).
الفخ الهجين: طلب سري ورد صيني حاسم
النتيجة كانت صدمة لبروكسل. المستهلك الأوروبي، الذي بدأ يشعر بالقلق من ضعف البنية التحتية لمحطات الشحن وأسعار الكهرباء، وجد ضالته فوراً في سيارات الـ Hybrid الصينية؛ سيارات تقدم مدى سير إجمالي يتجاوز 1,000 كيلومتر، مع استهلاك وقود منخفض جداً، وتجهيزات فاخرة، وبسعر يقل بآلاف اليوروهات عن أي منافس محلي.
أمام هذا التدفق الهائل، كشفت التقارير عن تحرك أوروبي غير معتاد وراء الأبواب المغلقة؛ طلب مسؤولو الاتحاد الأوروبي بشكل "غير رسمي" من بكين التفكير في تطبيق "سقف تصدير طوعي" (Voluntary Export Restraint) يقيد حصة السيارات الهجينة الصينية بنحو 15% فقط من إجمالي السوق الأوروبية، لتفادي تصعيد تجاري جديد.
المعنى الضمني للطلب كان اعترافاً صريحاً بالعجز: "لقد فشلنا في وقفكم بالرسوم، لذا نرجوكم أن تتوقفوا بأنفسكم!"
لكن الرد الصيني في 18 سبتمبر جاء قاطعاً وبارداً كالثلج؛ رفضت بكين الفكرة جملةً وتفصيلاً، مؤكدة أن أي قيود تصدير طوعية تنتهك بشكل مباشر قواعد منظمة التجارة العالمية (WTO - World Trade Organization)، محذرة من أنها تراقب عن كثب أي إجراءات أوروبية أحادية. الرسالة واضحة: الصين لن تكبح جماح شركاتها لإنقاذ مصانع عاجزة عن المنافسة.
لماذا فشلت خطط أوروبا حتى الآن؟
تكمن المشكلة في الفارق الهائل في السرعة والتكلفة. الشركات الصينية، وعلى رأسها "بي واي دي" (BYD) بتقنيات DM-i و"جيلي" و"شيري"، تمتلك ما يُعرف في عالم الصناعة بـ "التكامل الرأسي" (Vertical Integration)؛
فهي تصنع البطاريات، والمحركات، والرقائق، بل وحتى سفن الشحن التي تنقل السيارات.
هذا التفوق يجعل تكلفة إنتاج السيارة الصينية أقل بنسبة تتراوح بين 25% إلى 35% مقارنة بمثيلتها الأوروبية. عندما تفرض أوروبا رسوماً بنسبة 20% أو حتى 30%، فإن المصنّع الصيني قادر ببساطة على امتصاص نصف هذه الضريبة من هوامش ربحه الضخمة، وبيع السيارة بسعر يظل أرخص وأكثر إغراءً من البدائل الأوروبية. وحين استهدفت الرسوم سيارات البطارية الصافية، كانت خطوط الإنتاج في ووهان وشنجن قد بدأت بالفعل في ضخ مئات الآلاف من طرازات الـ PHEV نحو الموانئ الأوروبية دون أي عائق جمركي إضافي.
رعب العواصم الأوروبية: ما الذي يخشونه فعلاً؟
قطاع السيارات ليس مجرد تجارة في أوروبا؛ إنه العمود الفقري للاقتصاد بأكمله.
يوفر هذا القطاع أكثر من 13 مليون وظيفة مباشرة وغير مباشرة داخل الاتحاد الأوروبي.
يمثل نحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي للتكتل الأوروبي.
ألمانيا وإيطاليا وفرنسا تعتبر مصانع السيارات مسألة أمن قومي وكبرياء صناعي.
خسارة السوق لصالح الصين لا تعني فقط انخفاض أرباح الشركات، بل تعني إغلاق مصانع تاريخية، وتسريح مئات الآلاف من العمال، وتراجع الابتكار الأوروبي ليصبح تابعاً للتكنولوجيا الصينية.
لماذا لا تفعلها أوروبا كما فعلتها أمريكا؟
السؤال البديهي الذي يطرحه الجميع: إذا كانت أوروبا مرعوبة إلى هذا الحد، فلماذا لا تفعل مثل الولايات المتحدة التي فرضت رسوماً بنسبة 100% وحظرت البرمجيات الصينية تماماً؟
الإجابة تكمن في كلمة واحدة: الرهائن الصناعية.
الولايات المتحدة لا تصدر سيارات تقريباً إلى الصين، والشركات الأمريكية (باستثناء تسلا) وجودها محدود هناك. أما أوروبا، وتحديداً ألمانيا، فوضعها مختلف تماماً ومعقد للغاية:
الصين هي منجم الذهب للشركات الألمانية: فولكس فاجن، وBMW، ومرسيدس-بنز تبيع ثلث إنتاجها العالمي داخل السوق الصيني وتمتلك هناك استثمارات بمليارات اليوروهات. إذا فرضت أوروبا حظراً شاملاً، فإن الرد الصيني الانتقامي سيمحو أرباح هذه الشركات في يوم وليلة.
سلاسل التوريد تحت رحمة بكين: لا يمكن لأوروبا تصنيع سيارة كهربائية واحدة دون بطاريات ومواد خام صينية (مثل الليثيوم المعالج والجرافيت والعناصر الأرضية النادرة). قرار المنع الكامل سيعني توقف خطوط الإنتاج الأوروبية نفسها.
أهداف الانبعاثات الصارمة: فرض الاتحاد الأوروبي غرامات مليارية على شركات السيارات التي لا تخفض معدل انبعاثات أساطيلها بحلول عام 2025 و2030، تمهيداً لحظر محركات الاحتراق في 2035. المفارقة هنا أن أوروبا بحاجة ماسة لسيارات كهربائية وهجينة بأسعار مقبولة لتفادي هذه الغرامات، وهو ما لا يوفره حالياً سوى الصينيين.
أوروبا الآن عالقة بين فكي كماشة؛ إن تركت السوق مفتوحاً، ابتلع التنين الصيني حصة شركاتها التاريخية طرازاً تلو الآخر، وإن أغلقت الباب بالقوة، دمرت شركاتها في الصين وخنقت سلاسل توريدها. إنها معركة لا تُحسم بالقرارات الإدارية، بل بالقدرة على الابتكار وخفض التكاليف على خطوط التجميع، وهو السباق الذي يبدو أن الصين تقوده بفارق أميال حتى الآن.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك