كشف باحثون من الأكاديمية الصينية للعلوم عن واحدة من أكثر التقنيات إثارة في عالم البطاريات الصلبة، بعد نجاح فريق بحثي صيني في تطوير بطارية ليثيوم معدنية صلبة عالية الكثافة، قادرة على تقديم أرقام قد تبدو أقرب إلى الخيال العلمي منها إلى واقع السيارات الكهربائية الحالي.
البطارية الجديدة حققت كثافة طاقة تصل إلى 451.5 واط/ساعة لكل كيلوغرام، مع قدرة على الشحن والتفريغ بمعدل فائق السرعة يصل إلى 20C، وهو ما يعني نظريًا إمكانية شحنها أو تفريغها بالكامل خلال نحو 3 دقائق فقط. والأهم من ذلك أنها حافظت على استقرارها بعد 700 دورة شحن وتفريغ سريع، مع بقاء نحو 81.9% من سعتها الأصلية.
هذا الإنجاز لا يمثل مجرد تحسين عادي في عالم البطاريات، بل قد يكون خطوة مهمة نحو الجيل القادم من السيارات الكهربائية، حيث تبحث الصناعة منذ سنوات عن بطارية تجمع بين المدى الطويل، الشحن السريع، الأمان العالي، العمر الطويل، والوزن الأقل.
لماذا تعتبر هذه البطارية مهمة جدًا؟
أهمية هذه البطارية لا تأتي من رقم واحد فقط، بل من اجتماع عدة عناصر في وقت واحد. فهي تقدم كثافة طاقة عالية جدًا، وشحنًا فائق السرعة، واستقرارًا بعد مئات الدورات، مع نتائج أمان مشجعة.
إذا نجحت هذه التقنية في الوصول إلى الإنتاج التجاري الواسع، فقد تغير شكل السيارة الكهربائية بالكامل. قد تصبح السيارات أخف وزنًا، وأطول مدى، وأسرع شحنًا، وأكثر أمانًا، وربما أقل حاجة إلى بطاريات ضخمة وثقيلة كما هو الحال اليوم.
وهذا سيؤثر ليس فقط على تجربة المستخدم، بل أيضًا على تصميم السيارات نفسها، لأن البطاريات الأصغر والأخف قد تمنح الشركات حرية أكبر في التصميم، وتسمح بتحسين الأداء والمساحة والكفاءة
ما الذي يجعل هذه البطارية مختلفة؟
تعتمد البطارية الجديدة على تقنية تعرف باسم: بطارية ليثيوم معدنية صلبة
وهي تختلف عن البطاريات التقليدية المستخدمة حاليًا في أغلب السيارات الكهربائية، والتي تعتمد غالبًا على إلكتروليت سائل داخل الخلية. أما في البطاريات الصلبة، فيتم استبدال هذا الوسط السائل بمادة صلبة، ما يفتح الباب أمام كثافة طاقة أعلى وأمان أفضل وتقليل مخاطر التسرب أو الاشتعال.
وتُعد البطاريات الصلبة من أكثر التقنيات المنتظرة في قطاع السيارات الكهربائية، لأنها تعد بحل مجموعة من أكبر التحديات الحالية، مثل بطء الشحن، قلق المدى، وزن البطاريات الكبير، ومحدودية العمر الافتراضي عند الاستخدام المكثف.
كثافة طاقة ضخمة تتجاوز بطاريات اليوم
أبرز ما يميز البطارية الصينية الجديدة هو وصولها إلى كثافة طاقة بلغت 451.5Wh/kg. ولتوضيح أهمية هذا الرقم، فإن أغلب بطاريات LFP المستخدمة اليوم في السيارات الكهربائية التجارية تدور غالبًا حول نطاق يقارب 150 إلى 200Wh/kg.
هذا يعني أن البطارية الجديدة تقدم أكثر من ضعف كثافة الطاقة تقريبًا مقارنة بكثير من البطاريات التجارية الحالية. وبشكل عملي، فإن هذا النوع من التطور قد يسمح مستقبلًا بتصنيع سيارات كهربائية أخف وزنًا، أو سيارات بنفس حجم البطارية الحالي ولكن بمدى أطول بكثير.
ومع استمرار التطوير، قد تمهد هذه التقنية الطريق أمام سيارات كهربائية قادرة على تجاوز مدى 1000 كيلومتر بشحنة واحدة، مع تقليل وزن حزمة البطارية وحجمها داخل السيارة.
شحن فائق السرعة خلال حوالي 3 دقائق
النقطة الثانية اللافتة في هذه البطارية هي قدرتها على العمل بمعدل 20C. هذا المعدل يعني أن البطارية قادرة نظريًا على إتمام دورة شحن أو تفريغ كاملة خلال نحو 3 دقائق فقط.
وهذا رقم كبير جدًا حتى عند مقارنته بأسرع تقنيات الشحن الحالية في السيارات الكهربائية. فاليوم، حتى السيارات التي تُعد من الأسرع في الشحن تحتاج عادة إلى وقت أطول بكثير للوصول من نسبة منخفضة إلى نسبة مرتفعة من الشحن.
لكن الأهم هنا ليس الشحن السريع وحده، بل الجمع بين الشحن السريع والكثافة العالية والاستقرار بعد مئات الدورات، لأن إحدى أكبر مشاكل البطاريات فائقة السرعة هي تدهور الأداء مع الوقت.
700 دورة شحن سريع مع الحفاظ على الأداء
من أبرز نتائج الاختبار أن البطارية حافظت على 81.9% من سعتها بعد 700 دورة شحن وتفريغ سريع. وهذا أمر مهم جدًا، لأن الشحن السريع عادة يرفع الضغط الحراري والكيميائي داخل البطارية، ما يؤدي إلى تدهور أسرع في الخلايا.
الفريق البحثي استخدم كاثودًا عالي النيكل يعمل بجهد يصل إلى 4.7 فولت، وهو ما يعكس تقدمًا مهمًا في استقرار الكيمياء الداخلية للبطارية وتقليل التفاعلات الجانبية التي تضعف أداء الخلية مع مرور الوقت.
بمعنى أبسط، المشكلة لم تكن فقط في جعل البطارية تشحن بسرعة، بل في جعلها تشحن بسرعة وتبقى مستقرة لفترة طويلة نسبيًا. وهذا ما يجعل الإعلان مهمًا جدًا من الناحية العلمية والتقنية.
أين كان التحدي الحقيقي؟
ركز الباحثون على تطوير إلكتروليتات بوليمرية تعتمد على مادة PVDF، وهي مادة تُستخدم بكثرة في أبحاث البطاريات الصلبة بسبب استقرارها الكيميائي وقدرتها على دعم التوصيل الأيوني.
لكن المشكلة التقليدية في هذا النوع من البطاريات كانت مرتبطة بالمواد البلاستيكية المضافة داخل الإلكتروليت. هذه المواد قد تعاني من ضعف في الاستقرار الكيميائي، خصوصًا عند ملامسة الأقطاب، ما يؤدي إلى تفاعلات جانبية وتحلل تدريجي داخل الخلية.
هذه التفاعلات تقلل عمر البطارية، وتضعف توافق الإلكتروليت مع أنودات الليثيوم المعدنية، وهي من أصعب نقاط التطوير في البطاريات الصلبة عالية الكثافة.
الحل الجديد : تحسين التوافق داخل الإلكتروليت
لحل هذه المشكلة، طور الفريق الصيني تقنية جديدة تعرف باسم:
Compatibilizing-Solvent Plasticization
وتقوم الفكرة على استخدام مذيب متطاير مؤقت أثناء تصنيع الإلكتروليت، ليساعد على تحسين التوافق بين البوليمر والمواد المضافة داخل الخلية. وبعد تبخر هذا المذيب أثناء تشكيل الطبقة، تبقى المادة المستقرة محبوسة داخل الشبكة البوليمرية.
هذا الأسلوب ساعد على تكوين طبقة غنية بفلوريد الليثيوم، وهي طبقة مهمة لأنها تقلل التفاعلات الجانبية وتحسن الاستقرار الكيميائي بين الإلكتروليت والأقطاب.
وبفضل هذا الحل، تمكن الباحثون من الجمع بين الشحن السريع، الكثافة العالية، والاستقرار التشغيلي، وهي معادلة صعبة جدًا في عالم البطاريات الصلبة.
اختبارات أمان مشجعة
إلى جانب الأداء العالي، أجرى الفريق البحثي اختبارات أمان على البطارية، من بينها اختبار اختراق بالمسامير. وأظهرت النتائج أن البطارية قدمت مستوى أمان مرتفعًا، وهو عامل بالغ الأهمية في مستقبل السيارات الكهربائية.
فواحدة من أكبر المخاوف المرتبطة بالبطاريات الحالية هي الحرارة العالية، والاشتعال، والانفجار في الحالات القاسية. لذلك، فإن أي بطارية جديدة لا يكفي أن تكون قوية وسريعة الشحن، بل يجب أن تكون آمنة أيضًا عند التعرض للضغط أو التلف.
وهنا تظهر أهمية البطاريات الصلبة، لأنها بطبيعتها قد تكون أكثر أمانًا من البطاريات السائلة التقليدية، بشرط نجاحها في الاختبارات طويلة المدى والتصنيع التجاري.
الصين تقترب من حاجز 500Wh/kg
هذا الإنجاز يأتي ضمن سباق صيني واسع نحو تطوير بطاريات صلبة بكثافة طاقة تصل إلى 500Wh/kg، وهو رقم يُنظر إليه منذ سنوات باعتباره نقطة تحول كبرى في عالم السيارات الكهربائية.
عدة شركات ومراكز أبحاث داخل الصين تعمل حاليًا في هذا الاتجاه. ومن بين الأسماء البارزة شركة Ganfeng Lithium، التي أعلنت سابقًا عن بطاريات صلبة بكثافة تصل إلى 400Wh/kg مع تجاوز 1100 دورة شحن، كما بدأت إنتاجًا تجريبيًا محدودًا لخلايا تستهدف كثافة 500Wh/kg.
كما دخلت شركات أخرى السباق، مثل CATL وSunwoda وFarasis Energy، وجميعها تعمل على تطوير خلايا تتراوح كثافتها بين 400 و500Wh/kg، مع خطط للوصول إلى الإنتاج التجاري خلال السنوات القريبة المقبلة.
وفي مايو 2026، أعلنت شركة Pure Lithium أيضًا عن تقدم في بطارياتها الصلبة، مشيرة إلى أن خلاياها واصلت العمل حتى بعد اختبار القطع، مع وصول قدرتها الإنتاجية إلى نحو 500 ميغاواط/ساعة سنويًا.
كل هذه التحركات تؤكد أن الصين لا تتحرك في اتجاه واحد فقط، بل تعمل على بناء منظومة كاملة تشمل الأبحاث، المواد، الإنتاج التجريبي، والتصنيع التجاري.
رغم ذلك.. بطاريات LFP ما زالت تهيمن
ورغم كل الحديث عن البطاريات الصلبة، ما تزال بطاريات LFP تهيمن بقوة على سوق السيارات الكهربائية داخل الصين. والسبب بسيط: هذه البطاريات أثبتت نفسها من ناحية التكلفة، الاعتمادية، الأمان، والعمر الطويل.
وبحسب بيانات سوق البطاريات الصينية، تواصل CATL تصدر سوق بطاريات LFP بحصة كبيرة، تليها BYD في المركز الثاني، بينما تحقق شركات صينية متوسطة مثل Rept Battero Energy وZenergy وYinpai Battery نموًا سريعًا.
هذا يعني أن البطاريات الصلبة لن تستبدل بطاريات LFP مباشرة بين يوم وليلة. فالتقنية الجديدة ما تزال بحاجة إلى إثبات قدرتها على الإنتاج الواسع، خفض التكلفة، وضمان الاعتمادية في الاستخدام اليومي القاسي داخل السيارات.
.
هل اقتربت السيارات الكهربائية من لحظة التحول الكبرى؟
المؤشرات الحالية تقول إن صناعة السيارات الكهربائية أصبحت أقرب من أي وقت مضى إلى الجيل التالي الحقيقي من البطاريات. فالتقدم الصيني السريع، ودخول الشركات العملاقة في السباق، وتسارع الأبحاث الأكاديمية، كلها عوامل تدفع الصناعة باتجاه نقطة تحول كبيرة.
لكن في المقابل، يجب التعامل مع هذه الأخبار بواقعية. فنجاح البطارية داخل المختبر لا يعني بالضرورة أنها جاهزة فورًا للسيارات التجارية. التحدي الأكبر لا يزال في التصنيع واسع النطاق، وخفض التكلفة، وضمان الأداء بعد سنوات من الاستخدام، وتحت ظروف حرارة وبرودة واهتزاز وشحن متكرر.
ومع ذلك، فإن ما يحدث اليوم داخل قطاع البطاريات الصيني لم يعد مجرد تحسينات صغيرة، بل أصبح سباقًا عالميًا لإعادة تعريف السيارة الكهربائية من الأساس.
الخلاصة
البطارية الصينية الجديدة تمثل خطوة مهمة جدًا في طريق البطاريات الصلبة عالية الكثافة. فهي تقترب من حاجز 500Wh/kg، وتقدم شحنًا فائق السرعة خلال نحو 3 دقائق، وتحافظ على جزء كبير من سعتها بعد 700 دورة شحن سريع.
وإذا نجحت هذه التقنية في الانتقال من المختبر إلى الإنتاج التجاري، فقد تختفي تدريجيًا بعض أكبر مشاكل السيارات الكهربائية الحالية، مثل بطء الشحن، قلق المدى، الوزن المرتفع، ومخاوف الأمان.
الصين اليوم لم تعد تنافس فقط في تصنيع السيارات الكهربائية، بل أصبحت تقود أيضًا سباق الكيمياء والمواد وتقنيات البطاريات العميقة. ومع اقتراب الصناعة من حاجز 500Wh/kg، قد نشهد خلال السنوات القليلة المقبلة قفزة حقيقية تغير شكل المدى، الشحن، الأداء، وحتى تصميم السيارات الكهربائية نفسها.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك