من "بوني" البسيطة إلى عمالقة الطريق: رحلة الصعود
قبل أن نتحدث عن فلسفة التصميم، علينا أن نفهم من هي هيونداي (Hyundai) اليوم. القصة بدأت في كوريا الجنوبية عام 1967، في وقت لم يكن أحد يتخيل أن شركة "ناشئة" ستقارع عمالقة ألمانيا واليابان. بدأت بسيارات بسيطة جداً مثل طراز "Pony" الشهير، وكان التركيز حينها على الاعتمادية والسعر الاقتصادي فقط.
لكن، في العقدين الأخيرين، حدث "الانفجار الكبير" في هيونداي. تحولت الشركة من مُصنّع للسيارات الرخيصة إلى قائدة لتيار التصميم والتكنولوجيا في العالم. اليوم، هيونداي ليست مجرد شركة سيارات، بل هي جزء من ثالث أكبر مجموعة سيارات في العالم، وتمتلك في جعبتها جوائز عالمية وتصاميم تُدرس في أكبر المعاهد.
لعبة الشطرنج.. لماذا كُسرت "القوالب الجاهزة"؟
تخيل لو دخلت إلى حفلة، ووجدت الجميع يرتدون نفس البدلة بنفس اللون والقياس.. ستكون الحفلة مملة، أليس كذلك؟ هذا بالضبط ما كانت تفعله شركات السيارات لسنوات طويلة تحت مسمى "هوية العائلة" (Family Look). كان الهدف أن تعرف أن السيارة "هيونداي" بمجرد النظر لشبكها الأمامي، مهما كان حجمها.
لكن هيونداي قررت التمرد على هذا الملل وتبنت استراتيجية ذكية أسمتها "قطع الشطرنج".
في الشطرنج، الملك لا يشبه الحصان، والقلعة لا تشبه الوزير، لكنهم جميعاً ينتمون لنفس الطقم ولهم نفس الروح. هيونداي اليوم تقول لك: "لماذا أصمم سيارة مدينة صغيرة بنفس ملامح سيارة دفع رباعي ضخمة؟". كل سيارة لها شخصيتها المستقلة التي تعبر عن وظيفتها، لكنك ستشعر بـ "روح هيونداي" تسري في تفاصيلها.
أقوى.. لا أكثر صخباً!
في عالم مليء بالمبالغات والخطوط الحادة والزخارف التي لا داعي لها، خرجت هيونداي بشعار عميق: "Stronger, Not Louder" (أقوى، وليس أعلى صوتاً).
المصمم المبدع براد أرنولد (Brad Arnold) يرى أن القوة الحقيقية لا تحتاج للصراخ. الفلسفة الجديدة تعتمد على "فن الفولاذ"، حيث يظهر جمال المعدن بصدق دون الحاجة لإخفائه خلف طبقات من البلاستيك والكروم الزائد.
كيف تُرجمت هذه القصة على أرض الواقع؟
سانتا في (Santa Fe): جاءت بشكل صندوقي، صلب، وقوي جداً. لماذا؟ لأنها سيارة مغامرات وعائلة، يجب أن تشعرك بالثبات والمتانة بمجرد النظر إليها.
أيونيك 5 (Ioniq 5): هنا القصة مختلفة تماماً، التصميم "بكسلي" مستقبلي، يوحي بالتكنولوجيا والكهرباء والهدوء، لأنها تمثل المستقبل الرقمي.
العودة إلى "الصدق" في التصميم
يقول أرنولد إن الناس اليوم يحنون للبساطة. في الماضي، كانت القيود التقنية تجبر المصممين على رسم خطوط واضحة وصادقة. هيونداي اليوم تعيد هذا الإحساس، لكن بأدوات المستقبل.
الهدف ليس صنع سيارة "جميلة" فقط، بل سيارة "واضحة". عندما تنظر إليها، تعرف فوراً ماذا تقدم لك. هذا النضج هو ما جعل هيونداي اليوم تتصدر مبيعات السيارات الكهربائية والـ SUV، لأنها لم تعد تقلد أحداً، بل أصبحت هي من يضع القواعد الجديدة للعبة.
باختصار: هيونداي توقفت عن صنع "نسخ مكررة" وبدأت بصناعة "شخصيات" لكل واحدة منها قصة ترويها على الطريق.
، أرى أن هذا التحول هو ما سيجعل سيارات هيونداي "كلاسيكيات المستقبل"، لأن التصميم الذي يتبع الوظيفة هو التصميم الذي لا يموت بمرور الزمن.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك