من لدائن الثلاجات .. إلى حلم "العجلات"
تبدأ قصتنا في ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً في مدينة "تايتشو" الصينية. شاب طموح يُدعى لي شوفو، لا يملك في جيبه الكثير، لكنه يملك عيناً ترى المستقبل. لم يبدأ "لي" برسم مخططات لمحركات خارقة، بل بدأ من مكان غير متوقع تماماً: أجزاء الثلاجات.
نعم، الإمبراطورية التي تقود اليوم بعضاً من أعرق علامات السيارات في العالم، كانت بدايتها تتمحور حول صناعة ألواح ومكونات التبريد! لكن طموح "لي شوفو" كان أكبر من أن تجمدّه ثلاجة. سرعان ما تحول الشغف نحو العجلات، فانتقلت الشركة الناشئة إلى صناعة الدراجات النارية والسكوترات.
ومع حلول عام 1997، اتخذ "لي" القرار الأكثر جرأة في حياته: سندخل عالم السيارات.
هنا ولدت "جيلي" (Geely)، وهو اسم لم يكن مجرد اختيار عشوائي، بل كلمة صينية تعني "محظوظ" أو "الفأل الحسن". وكان "لي" يحتاج هذا الحظ فعلاً، فالطريق أمامه لم يكن مفروشاً بالورود. تروي الأساطير الشعبية في عالم السيارات أن الحكومة الصينية رفضت منح جيلي ترخيص التصنيع "10 مرات"، ورغم أن هذا الرقم الدقيق يفتقر للمستندات الرسمية، إلا أن الحقيقة الثابتة هي أن جيلي خاضت معركة بيروقراطية شرسة، لتنتزع في النهاية اللقب التاريخي: أول شركة سيارات مملوكة للقطاع الخاص بالكامل في الصين.
السيارة "الهجين" وفرانكشتاين الصيني!
في البدايات، سخر الكثيرون من أحلام جيلي. وهناك قصة شهيرة يتداولها عشاق السيارات حول "السيارة الأولى المقلدة بالصدفة". الحقيقة الدرامية تخبرنا أن "لي شوفو" كان معجباً بسيارات مرسيدس-بنز لدرجة الهوس.
في محاولة لإثبات قدرته، قام بتفكيك سيارة مرسيدس، وأخذ ملامحها وتصميمها، ثم قام بتركيبها على قاعدة عجلات سيارة صينية من نوع "هونغتشي". النتيجة؟ "نموذج مبدئي" غريب ومشوه، كان أقرب لتجربة جريئة منه لسيارة حقيقية.
لم تكن تلك السيارة المشوهة هي البداية التجارية؛ بل جاءت الانطلاقة الحقيقية الفخرية مع سيارة "Haoqing" التي خرجت رسمياً من خطوط الإنتاج في مدينة "لينهاي"، لتعن للعالم أن "الفأل الحسن" بدأ يتحرك على الأرض بأسعار اقتصادية تناسب الجميع.
لكن، كيف لشركة تصنع سيارات شعبية بسيطة أن تصبح "الحوت" الذي يبتلع عمالقة أوروبا؟ هنا تكمن نقطة التحول الشاملة..
زلزال عام 2010.. خطف "الجوهرة السويدية"
انتقل بالزمن إلى عام 2010. عالم السيارات يستيقظ على صدمة غير متوقعة. شركة فورد الأمريكية، التي كانت تمر بأوقات عصيبة، توافق على بيع علامة "فولفو" (Volvo) السويدية العريقة.. لمن؟ لشركة جيلي الصينية!
بمبلغ 1.8 مليار دولار، وضعت جيلي يدها على قمة هرم السلامة والفخامة الأوروبية. تساءل المحللون حينها: "كيف لشركة صينية كانت تقلد مرسيدس بالأمس أن تدير إرث فولفو؟". لكن جيلي فاجأت الجميع؛ لم تطمس هوية فولفو، بل ضخت فيها المليارات، ومنحتها الحرية الاستثمارية، فكانت النتيجة نهضة مرعبة لفولفو، وتحولاً جذرياً لجيلي التي كسبت "التكنولوجيا الأوروبية" في جيبها.
ولم تكن فولفو سوى شهية انفتحت على مصراعيها..
غزو الماركات العريقة (من لوتس إلى قلب مرسيدس)
لم تتوقف إمبراطورية "لي شوفو" عند السويد. في عام 2017، التفتت جيلي نحو ماليزيا واستحوذت على 49.9% من شركة بروتون. ولم تكن بروتون هي الصيد الثمين وحده، بل جاءت معها الجوهرة البريطانية: لوتس (Lotus)، ملكة السيارات الرياضية الخفيفة، حيث استحوذت جيلي على حصة أغلبية بلغت 51%.
ولكن.. الصدمة الأكبر كانت في شتوتغارت، معقل مرسيدس!
انتشرت شائعات بأن "جيلي تملك 10% من مرسيدس". ولنكن دقيقين: الحقيقة هي أن المؤسس "لي شوفو" نفسُه، وعبر أذرعه الاستثمارية، قام بجمع حصة ذكية بلغت 9.69% من مجموعة Mercedes-Benz Group، ليصبح أحد أكبر المساهمين الأفراد في الشركة الألمانية (بينما تمتلك BAIC الصينية 9.98%).
ولم يكن هذا مجرد استثمار صامت؛ بل تحول إلى شراكة استراتيجية حية، حيث تدير جيلي ومرسيدس اليوم معاً علامة Smart الكهربائية الصغيرة لتطويرها عالمياً. أضف إلى ذلك، دخول جيلي بثقلها في بريطانيا مجدداً عبر الاستحواذ على حوالي 17% من أسهم أستون مارتن الفاخرة!
ما وراء السحاب.. الأقمار الصناعية والمحركات الهجينة
إذا كنت تظن أن حدود جيلي هي الإسفلت، فأنت مخطئ. لقد رفعت الشركة الصينية رأسها نحو السماء.
عبر شركتها التابعة Geespace، أطلقت جيلي كوكبة أقمار صناعية في المدار المنخفض تُعرف باسم GEESATCOM. وبحلول عام 2025/2026، وصل عدد أقمارها في الفضاء إلى 64 قمراً صناعياً. والهدف؟ ليس البث التلفزيوني بالطبع، بل خلق شبكة اتصالات فائقة السرعة للمركبات الذكية ذاتية القيادة، وإنترنت الأشياء، لتوجيه سياراتها بدقة مليمترية من الفضاء!
ولأنها تفكر في كل مسارات "المستقبل الرقمي"، اشترت سابقاً شركة Terrafugia الأمريكية للسيارات الطائرة، واستثمرت في الطاقة الهجينة عبر تأسيس شركة Horse Powertrain بالتعاون مع رينو الفرنسية وعملاق الطاقة أرامكو (حيث تملك جيلي ورينو 45% لكل منهما وأرامكو 10%) لتطوير محركات احتراق داخلي ووقود نظيف عالي الكفاءة.
أين تقف جيلي اليوم بين كبار العالم؟
اليوم، لم تعد جيلي مجرد مصنع صيني للسيارات الرخيصة؛ بل تحولت إلى مجموعة أخطبوطية متعددة الجنسيات تتقاسم صدارة المشهد العالمي مع الكبار مثل تويوتا وفولكس واجن.
تخوض جيلي غمار السوق العالمي باستراتيجية توزيع أدوار عبقرية ومدروسة:
Geely Auto: للسيارات الاعتمادية والاقتصادية الذكية.
Lynk & Co: للشباب وعشاق التكنولوجيا والاتصال الدائم.
Zeekr: للرفاهية الكهربائية المطلقة ومنافسة تيسلا.
Volvo & Polestar: للأمان الأوروبي والفخامة الاسكندنافية الصديقة للبيئة.
Lotus: للسيارات الرياضية الخارقة التي تتحدى الجاذبية.
LEVC: لسيارات الأجرة الكهربائية الشهيرة في لندن.
من قطعة غيار لثلاجة قديمة، إلى أقمار صناعية تدور حول كوكب الأرض وتحرك أسطولاً من أفخم وأقوى السيارات.. جيلي لم تكن مجرد ضربة حظ، بل كانت تجسيداً حياً لاسمها: "الفأل الحسن" المدعوم بذكاء صناعي واستثماري لا يعرف الحدود.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك