طالب تحالف صناع السيارات في ديترويت الرئيس دونالد ترمب بمنع الشركات الصينية حتى من بناء مصانع بأمريكا، ليرد عليهم بشرط صادم يقبل بوجودها إذا صُنعت محلياً على طريقة تويوتا وهيونداي.

يبدو أن أباطرة "السوق الحر" والرأسمالية في ديترويت قد نسوا مبادئهم فجأة بمجرد أن لوّح التنين الصيني بمفاتيحه على الحدود.

ففي الثامن عشر من سبتمبر، تحول كبار صناع السيارات، والموردين، وحتى وكلاء البيع في الولايات المتحدة إلى جوقة واحدة تعزف لحن الذعر، موجهين نداء استغاثة عاجلاً للرئيس دونالد ترمب قبل لقائه المرتقب مع نظيره الصيني شي جين بينغ. الرسالة كانت واضحة، يائسة، ومباشرة: "أبقوا الصينيين خارج أسوارنا!"

المثير للسخرية هنا أن الرعب الأمريكي لم يعد يقتصر على استيراد سيارات "بي واي دي" (BYD) أو "جيلي" (Geely) بأسعار تحرق السوق وتستنزف الجيوب، بل وصل الخوف إلى حد التوسل لمنع هذه الشركات من بناء مصانع لها داخل الأراضي الأمريكية. بعبارة أخرى، ديترويت لا تريد حتى أن تنافس الصينيين على أرضها، لمعرفتها التامة بأن المستهلك الأمريكي إذا جرب التكنولوجيا الصينية المتطورة بأسعارها المنطقية، فلن يلتفت مجدداً لسياراتهم التي تزداد أسعارها جنوناً وتتعقد أعطالها يوماً بعد يوم.

ولم يقتصر حفل الذعر على الأمريكيين وحدهم؛ بل انضم إليهم خوسيه مونيوز، الرئيس التنفيذي لشركة هيونداي، ليزيد الطين بلة. مونيوز، الذي كانت شركته الكورية في يوم من الأيام "الوافد الأجنبي الدخيل" الذي يهدد عرش السيارات الأمريكية، يقف اليوم في خندق الدفاع محذراً واشنطن بلهجة درامية من أن إزالة الحواجز الجمركية ستغرق أمريكا في "موجة سيارات صينية" عاتية، تماماً كما يحدث الآن في أوروبا التي تقف عاجزة ومصدومة أمام هذا الغزو الكاسح.

لكن ترمب، بأسلوبه الاستعراضي المعتاد وعقليته التجارية التي تعشق قلب الطاولة، ألقى بقنبلته الخاصة التي زادت من صداع الشركات الأمريكية ومخاوفها. فبدلاً من إغلاق الباب بالضبة والمفتاح كما تمنوا، أعلن بوضوح أنه لا يمانع إطلاقاً دخول السيارات الصينية إلى السوق الأمريكي، ولكن بشرط واحد لا تنازل عنه: أن تُبنى هذه السيارات بأيدي عمال أمريكيين وداخل مصانع تُشيد على الأراضي الأمريكية، تماماً كما فعلت تويوتا، وهوندا، وكيا، وهيونداي من قبل.

هذا الشرط الترامبي يمثل حرفياً أسوأ كابوس لشركات السيارات المحلية.

فهم يعلمون يقيناً أن الصينيين يمتلكون السيولة النقدية الضخمة والمرونة الكافية لبناء أحدث المصانع في ولايات مثل تكساس أو أوهايو،

وتقديم سيارات متطورة بأسعار تنافسية تسحق المنافسين حتى مع احتساب ارتفاع تكاليف العمالة الأمريكية. في النهاية، المشهد يلخص نفسه: شركات أمريكية أدمنت الحماية الحكومية وتخشى الابتكار الحقيقي، بينما يقف الصينيون على الأبواب، مستعدين بكل هدوء للعب وفقاً لقواعد "صُنع في أمريكا" لابتلاع السوق من الداخل.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك