في اليابان، سوق سيارات الـ Kei Car مو مجرد فئة سيارات صغيرة… هذا تقريباً “المعبد المقدّس” للشركات اليابانية. هوندا، سوزوكي، دايهاتسو، نيسان وميتسوبيشي بنوا سمعتهم داخل هذا العالم الضيق: سيارات صغيرة، اقتصادية، سهلة بالركن، ومصممة حتى تعيش داخل شوارع اليابان الضيقة والزحمة اليومية. لكن الخبر الجديد يقول إن الصين قررت تدخل من أضيق باب… الباب الذي كانت اليابان تعتبره شبه مغلق على الأجانب.

الاسم الجديد هو EMTA، علامة كهربائية جديدة مرتبطة بمشروع مشترك اسمه Electric Mobility Technologies – EMT، ومقره في سنغافورة. هذا المشروع يجمع عدة أطراف صينية ويابانية: شيري Chery كمزوّد للتقنيات والمنصات وأنظمة الدفع والمساعدة على القيادة، Jiangsu Yueda للتصنيع عبر مصنع يانتشنغ في الصين، Gotion لتوريد البطاريات، Autobacs Seven اليابانية لقنوات البيع داخل اليابان، و Anest لدعم الجودة. توزيع الحصص المذكور في المصادر هو 27.27% لشيري، 27.27% لـ Jiangsu Yueda، 18.18% لـ Autobacs، 18.18% لـ Gotion، و9.09% لـ Anest.

القصة ليست مجرد سيارة صينية صغيرة تريد البيع في اليابان. الفكرة أذكى من ذلك. EMTA تريد أن تدخل السوق الياباني بمنتج مصمم نفسياً وعملياً لليابانيين: سيارة كهربائية صغيرة من فئة Kei Car، بطول يقارب 3.4 متر وعرض 1.48 متر، يعني داخل حدود فئة الكاي اليابانية المعروفة. هذه الأبعاد ليست مصادفة؛ سيارات الكاي في اليابان لها حدود قانونية صارمة، ومنذ 1998 تقريباً الحد الأقصى للطول 3.4 متر، العرض 1.48 متر، الارتفاع أقل من 2 متر، ومحركات البنزين فيها تكون حتى 660 سي سي، أما النسخ الكهربائية فتستفيد من نفس فلسفة الحجم الصغير والتكلفة الأقل.

أول سيارة من EMTA متوقعة في 2027، والاسم غير مؤكد رسمياً بالكامل، لكن الصور والتقارير تشير إلى احتمال تسميتها EMTA #01. شكلها صندوقي، عملي، بغطاء أمامي قصير، واجهة بسيطة، أعمدة سوداء، مصابيح أمامية مربعة أو حادة، وأبواب خلفية انزلاقية حتى تسهّل الدخول والخروج في الأماكن الضيقة. هذه نقطة مهمة جداً في اليابان، لأن السيارة الصغيرة هناك لا تُقاس فقط بعدد الكيلومترات أو حجم الشاشة، بل تُقاس بمدى سهولة استخدامها داخل مدينة مزدحمة ومواقف ضيقة وشوارع فرعية صغيرة.

الجميل بالموضوع أن EMTA لا تريد تقديم سيارة رخيصة فقط، بل تريد بيع فكرة “السيارة الذكية اليومية”. العلامة ترفع شعار Easy, Made To All، وتتكلم عن حزمة تقنيات باسم “Daily Magic”، تشمل منصة سيارة معرفة بالبرمجيات Software-Defined Vehicle مع تحديثات هوائية OTA، اتصال ذكي بين الهاتف والسيارة، نظام دفع كهربائي، وأنظمة مساعدة قيادة من المستوى الثاني تقريباً. المعنى هنا أن السيارة الصغيرة لن تكون مجرد صندوق كهربائي رخيص، بل سيارة مدينية ذكية تتحدث بلغة الهاتف والتطبيقات والتحديثات المستمرة. (Electrek)

لكن القوة الحقيقية خلف EMTA ليست الاسم، بل تركيبة المشروع. شيري لا تدخل اليابان وحدها بشعار صيني واضح، بل تدخل عبر مشروع فيه شريك ياباني للبيع والتوزيع، وشركات متخصصة بالتصنيع والبطاريات والجودة. Autobacs Seven مهمة جداً هنا لأنها معروفة في اليابان بمتاجر قطع السيارات والخدمات، وهذا يعطي EMTA منفذ بيع وخدمة أكثر قبولاً من محاولة فتح شبكة وكلاء من الصفر. أما التصنيع فسيكون في الصين عبر مصنع Yueda في يانتشنغ، وهو مصنع ارتبط سابقاً بإنتاج سيارات كيا وHiPhi، بينما البطارية ستكون من Gotion حسب التقارير.

الخطة لا تتوقف عند سيارة واحدة. EMTA تريد إطلاق أربع سيارات بحلول 2029: البداية مع سيارة Kei الكهربائية الصغيرة، ثم هاتشباك، ثم SUV صغيرة، ثم ميني فان. يعني المشروع ليس تجربة محدودة، بل محاولة بناء خط إنتاج كامل مخصص لليابان. وإذا نجحت المبيعات، فهناك احتمال دراسة إنشاء مصنع داخل اليابان بعد 2030، وهذا لو حدث سيكون تحركاً كبيراً لأن الشركات الصينية لن تكون فقط مصدّرة لليابان، بل قد تصبح مصنّعة داخل السوق الياباني نفسه.

السؤال المهم: لماذا اليابان؟ ولماذا سيارات الكاي تحديداً؟ لأن هذه الفئة تمثل جزءاً ضخماً من ثقافة السيارات اليابانية. هي سيارات رخيصة بالملكية، ضرائبها وتأمينها أقل، سهلة الاستخدام، ومناسبة لكبار السن، الشباب، العوائل الصغيرة، والمناطق الريفية والمدن المزدحمة. رويترز ذكرت في سياق دخول BYD لهذا القطاع أن سيارات الكاي تشكل تقريباً ثلث مبيعات السيارات في اليابان، وهي تاريخياً ملعب شبه حصري للشركات المحلية مثل هوندا وسوزوكي.

وهنا تدخل المنافسة الصينية من جهتين. الجهة الأولى هي BYD Racco، سيارة كاي كهربائية مخصصة لليابان، ومن المتوقع بيعها في اليابان من 2026. والجهة الثانية الآن هي EMTA المدعومة من شيري. BYD تريد أن تكسر الحاجز النفسي للسوق الياباني، وEMTA تريد أن تدخل بعدها بسرعة وبأسلوب أكثر “محلياً” بفضل شريك ياباني للبيع وقنوات الخدمة. بعض التقارير تذكر أن EMTA #01 ستكون واحدة من أوائل سيارات الكاي الكهربائية ذات الأصل الصيني بعد BYD Racco، وأنها ستنافس بسعر قريب من سيارات الكاي البنزين التقليدية.

المنافسون الحقيقيون ليسوا BYD فقط، بل أسماء يابانية قوية مثل Honda N-Box، Nissan Sakura، Daihatsu Tanto، و Suzuki Hustler. هذه سيارات لها ثقة، شبكة خدمة، تاريخ، وولاء عالٍ من الزبون الياباني. لذلك EMTA أمامها معركة صعبة جداً: لازم تقنع الياباني أن السيارة الصينية الصغيرة مو فقط أرخص، بل آمنة، عملية، تتحمل، وخدمتها مضمونة. وهنا يأتي دور Autobacs وAnest، لأن الجودة وخدمة ما بعد البيع في اليابان ليست تفاصيل ثانوية؛ هي شرط أساسي للبقاء.

حتى الآن، المواصفات الفنية الدقيقة غير معلنة: لا نعرف حجم البطارية، مدى القيادة، قوة المحرك، وقت الشحن، السعر النهائي، الفئات، أو التجهيزات الداخلية. الموجود حالياً هو الإطار العام: سيارة كهربائية صغيرة، أبعاد Kei، تصميم صندوقي، بطارية من Gotion على الأرجح، تقنيات شيري الكهربائية والمساعدة على القيادة، وإطلاق في 2027. لذلك أي رقم عن المدى أو السعر النهائي حالياً يبقى غير مؤكد ما لم تعلنه الشركة رسمياً.

الخبر خطير لأنه يكشف مرحلة جديدة من دخول الصين للأسواق الصعبة.

سابقاً الشركات الصينية كانت تركز على الأسواق النامية، أو أوروبا، أو الشرق الأوسط، أو أمريكا اللاتينية. أما اليابان فهي سوق مغلق ثقافياً وصناعياً، والزبون هناك يثق بالشركات المحلية بدرجة كبيرة. دخول شيري عبر EMTA يعني أن الصين لم تعد تكتفي بمنافسة اليابانيين في الخارج، بل تريد اختبارهم داخل بيتهم، وفي أكثر فئة يعرفونها ويسيطرون عليها.

الخلاصة: EMTA ليست مجرد سيارة صغيرة قادمة في 2027، بل رسالة صينية مباشرة للسوق الياباني. الرسالة تقول: نحن نعرف أن اليابان تحب السيارات الصغيرة، نعرف أن الشوارع ضيقة، نعرف أن السعر مهم، نعرف أن الثقة مهمة، ولذلك لن ندخل بسيارة ضخمة أو فاخرة… سندخل بسيارة يومية صغيرة، كهربائية، ذكية، وبسعر قريب من البنزين. وإذا نجحت هذه الضربة، فقد تكون بداية تغيير حقيقي في أكثر سوق كان يبدو محصناً ضد السيارات الصينية.

المصدر: reuters

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك