نشهد اليوم أكبر عملية "تصحيح مسار" وتراجع استراتيجي في تاريخ صناعة السيارات الحديثة. مجموعة "ستيلانتس" (Stellantis) العملاقة، التي تنضوي تحت مظلتها علامات أيقونية مثل جيب، فيات، ألفا روميو، بيجو، سيتروين، أوبل، ودودج، أعلنت عن نتائجها المالية لعام 2025، وجاءت الأرقام لتشكل صدمة مدوية في أوساط الصناعة.
للمرة الأولى منذ تأسيس المجموعة، تسجل ستيلانتس خسارة صافية مرعبة بلغت 22.45 مليار يورو (حوالي 26 مليار دولار). هذا الانهيار المالي دفع الإدارة العليا لإعادة النظر في خططها المستقبلية بالكامل، والبحث العاجل عن السيولة لإنقاذ الموقف.
الهزيمة الثقيلة: رهان كهربائي خاسر أمام التنين الصيني
كانت قيادات "ستيلانتس" تعتقد أن التحول نحو السيارات الكهربائية سيكون كاسحاً وسريعاً، فاستثمرت المليارات في تطوير منصات كهربائية بالكامل استعداداً لوقف إنتاج محركات الاحتراق الداخلي. لكنهم اصطدموا بواقع مرير: المنافسة الصينية الشرسة.
بينما كانت ستيلانتس تطرح طرازات كهربائية بأسعار باهظة تضعها في أعلى فئاتها السعرية (مثل Dodge Charger Daytona و Jeep Wagoneer S)، كانت الشركات الصينية تغزو الأسواق العالمية بسيارات كهربائية تتفوق في المدى التقني وتكنولوجيا البطاريات وبأسعار تنافسية لا يمكن مجاراتها.
النتيجة؟ عزوف كبير من المستهلكين عن سيارات ستيلانتس الكهربائية لاعتقادهم أنها لا تقدم "قيمة مقابل السعر" مقارنة بالمنافسين، مما اضطر الشركة للاعتراف بأنها تسرعت كثيراً في هذا التحول، وبالغت في تقدير حجم الطلب الفعلي، لتتلقى هزيمة قاسية في معركة مبيعات السيارات الكهربائية النظيفة.
الهروب إلى الخلف: عودة محركات الـ V8 والديزل
لإيقاف نزيف الخسائر، قررت ستيلانتس تجميد حلم "الكهرباء فقط" والعودة إلى سلاحها القديم الذي يضمن لها هوامش ربح عالية: محركات الاحتراق الداخلي.
- في أمريكا الشمالية: لعشاق القوة التقليدية، هذا خبر سار! محرك HEMI V8 الأسطوري يعود من جديد لإنقاذ المبيعات وجذب العملاء غير المقتنعين بالتحول الكهربائي.
- في أوروبا: التراجع شمل القارة العجوز أيضاً؛ حيث تعيد المجموعة محركات الديزل والبنزين الهجينة المخففة (Mild-hybrid) للعديد من طرازاتها. حتى أن الشركة أجلت إطلاق البدائل الجديدة لسيارتي "ألفا روميو ستيلفيو" و"ألفا روميو جوليا" لضمان تزويدها بمحركات احتراق تقليدية تناسب متطلبات السوق.
الرئيس التنفيذي، أنطونيو فيلوسا، صرح بشفافية أن الشركة تحركت بسرعة مبالغ فيها نحو "انتقال الطاقة"، وأن الاستراتيجية الجديدة الآن تتمحور حول إعطاء العميل "حرية الاختيار" بين الكهرباء، الهجين، والبنزين.
تداعيات الزلزال المالي
أرخت هذه الخسارة بظلالها الثقيلة على المستثمرين وأروقة الشركة:
- إلغاء الأرباح: قرر مجلس الإدارة عدم صرف أي أرباح للمساهمين خلال عام 2026.
- الاستدانة: للحفاظ على سير العمليات وتغطية التكاليف الهائلة للسيارات غير المباعة وتعديل خطوط الإنتاج، ستصدر الشركة سندات بقيمة 5.04 مليار يورو.
- انهيار الأسهم: تراجعت أسهم ستيلانتس بأكثر من 30% خلال الـ 12 شهراً الماضية، لتصل إلى أدنى مستوى لها منذ اندماج المجموعة في 2021.
- الترتيب العالمي: رغم تحقيق عائدات إجمالية بلغت 154.59 مليار يورو وبيع 5.573 مليون سيارة في 2025، إلا أن الشركة تكتفي بالمركز الخامس عالمياً، متخلفة بفارق شاسع عن تويوتا (11.3 مليون) ومجموعة فولكس فاجن (8.98 مليون).
ورغم هذه الصورة القاتمة، تلوح بارقة أمل للمجموعة بعد ارتفاع شحنات السيارات بنسبة 11% في النصف الثاني من 2025. الإدارة الجديدة تسابق الزمن لإثبات أن "الأسوأ قد مر"، مراهنة على أن توازن التشكيلة بين محركات الوقود والكهرباء سيعيدها للربحية. وحتى ذلك الحين، تقف ستيلانتس كأكبر مثال على خطورة الرهان المطلق على تكنولوجيا لم يتقبلها السوق بالكامل بعد.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك